محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي
80
الآداب الشرعية والمنح المرعية
عيسى عليه السلام لا تطرح اللؤلؤ إلى الخنزير فإن الخنزير لا يصنع باللؤلؤ شيئا ، ولا تعط الحكمة من لا يريدها فإن الحكمة خير من اللؤلؤ ، ومن لا يريدها شر من الخنزير . وقال مالك : ذلك ذل وإهانة للعلم أن يتكلم به عند من لا يطيعه ، وقال كثير بن مرة الحضرمي : لا تحدث بالحكمة عند السفهاء فيكذبوك ، ولا تحدث بالباطل عند الحكماء فيمقتوك ، ولا تمنع العلم أهله فتأثم ، ولا تحدث به غير أهله فتجهل ، إن عليك في علمك حقا كما أن عليك في مالك حقا ، ذكره البيهقي وغيره ، وروى الخلال في الأخلاق أن إبراهيم بن شماس قال : كنا بعبادان فجرى تشاجر بين طلبة الحديث فلم يحدثهم يعني وكيع بن الجراح سبعة أيام فقال : إنما أردت أدبهم ، ثم حدثهم . وفي الصحيحين " 1 " قول ابن عباس لعمر رضي الله عنهما : إن الموسم يجتمع الرعاع والغوغاء فأمهل حتى تقدم المدينة فتخلص بأهل الفقه . فقدمنا المدينة وذلك أن عمر قبل مشورة ابن عباس فلم يتكلم بذلك حتى قدم المدينة : قال ابن الجوزي : في هذا تنبيه على أن لا يودع العلم عند غير أهله ولا يحدث القليل الفهم ما لا يحتمله فهمه ، قال : والرعاع السفلة والغوغاء نحو ذلك ، وأصل الغوغاء صغار الجراد ، قال ابن عقيل قوله تعالى : وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [ سورة آل عمران : الآية 159 ] . ذلك مع المعجز صلى الله عليه وسلم شهد الحق له لولا تخلقه للخلق الجميل لانفضوا عنك " 2 " ولم يقنع بالمعجز في تحصيلهم ، لا تقنع أنت بالعلوم وتظن أنها كافية في حوش الناس إلى الدين بل حسن ذلك وجله بالأخلاق الجملة . فصل في أخذ العلم عن أهله وإن كانوا صغار السن قال الإمام أحمد : بلغني عن ابن عيينة قال الغلام أستاذ إذا كان ثقة ، وقال علي بن المديني : لأن أسأل أحمد بن حنبل عن مسألة فيفتيني أحب إلي من أن أسأل أبا عاصم وابن داود ، إن العلم ليس بالسن ، وروى الخلال من حديث عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال : قال عمر رضي الله عنه : إن العلم ليس عن حداثة السن ولا قدمه ، ولكن الله تعالى يضعه حيث يشاء ، وقال وكيع : لا يكون الرجل عالما حتى يسمع ممن هو أسن منه ومن هو مثله ومن هو دونه في السن . هذه طريقة الإمام أحمد على ما ذكره البيهقي في مناقبه وغيره ، وفي فنون ابن
--> ( 1 ) البخاري ( 6830 ) . ( 2 ) كذا في النسختين .